02 يونيو 2013

غربه 2

في الغربة يختلف كل شئ ....

لطالما سخرت بكل قوتي من مدعي الوطنية الذين يتشدقون دوما في الغربة بأن مصر قد أوحشتهم ، و أن الغربة قاتله لكل شئ جميل في حياتهم ، وأن الغربة ظلام و كل هذه الترهات ، و تمنيت ساعتها أن يرزقني الله تلك الغربة حتى اهرب ممن واقعي المادي و النفسي و أثبت لهؤلاء أنهم فقط حفنة من الضعاف.

تحققت أمنيتي ، وقد يعتبرها البعض تحققت مبكرا، فهاأنذا لم أكمل بعد ربع قرن من حياتي وقد أمضيت نصف عام الا قليل في بلاد غير بلادي ، لا أخفيكم سرا أن نظرتي تغيرت كثيرا و عميقا للعديد من الأمور ....

تغيرت نظرتي لأصدقائي و كيف أكتسبهم و متى افقدهم عمدا و كيف أحكم عليهم ، تغيرت نظرتي لمهنتي الحبيبة و كيف يمتهنها جميع أشكال البشر أو الكائنات التي تنتسب للبشر ...

تغيرت نظرتي للعديد و العديد من الأشياء في حياتي ، حالتي المادية ، حياتي العاطفية ، نظرتي لأهلي و الكثير الكثير من أمور الحياة صغيرةى كانت أو كبيرة.

لكن أفظع و أعمق تغيير حدث لي هو تغير نظرتي للغربة نفسها، تعلمت أن هؤلاء ليسوا ضعاف أو قد يكونوا و لكن التعبير يخونهم أحيانا، تعلمت عمليا ما معنى الغربة و كيف تقتل داخلك الكثير الكثير.

الغربة يا أصدقائي ليست البعد عن الوطن لأنه كان ولا زال في نظري ادعاء و طنية لا أكثر. الغربة هي أن تجد نفسك في موقف تهون عليك نفسك فيه و لا تجد في قدرتك ما تستطيع به درء هذا الموقف.

الغربة يا أصدقائي أن تجد شخصا في ظروف أخرى قد لا تحمل نفسك عناء النظر في وجهه مرتين قد حكمته الظروف على مجريات أمور تخصك ، حينما تشعر أنه لولا الغربة لانتفضت في وجهه و اخرجت ما يعتمل في داخل نفسك من سباب و لعنات تصبها على رأسه ثم تتركه مشمئزا من معرفتك أمثاله ولو حتى بمحض الصدفة.

الغربة يا أعزائي أن تشعر و لأول مرةأن أهلك فعليا لهم مكانه أكبر بكثير مما كنت تعتقد، أن تعترف ولأول مرة أمام نفسك أنك قد بخستهم حقهم لديك طوال تلك السنون ، أن تبكي أمام مرآتك متمنيا أن تأنس بصحبتهم ولو لساعة لتشعر مرة ثانية أن هناك على تلك الأرض من يهتم لحالك و يخاف علىك دون مصلحة مرتجاه أو منفعة محتملة، أن تشعر و أنت تحدثهم عبر الأثير أن مهمتك في الحياة هي إسعادهم وكفى.

الغربة يا أصدقائي هي أن تفتقد كل علاقاتك القديمة ، أن تجد نفسك مجترا لسعادات حبك البائد و متحسرا على ضياعه رغم اعتراف عقلك الباطن بفشله فشلا ذريعا.

الغربة هي أن تكتشف معان جديدة للوحدة لم تخطر لك أبدا على بال ، معان غير تلك التي طالما أحببتها و استمتعت بها عبر الزمن ، قد تكون لأنك ولأول مرة مجبر عليها أو قد تكون قد وقعت تحت عدسة تكبير كل ما سبق من مشاعر.

لا أعلم . . .  قد يكون كل ما سبق هو افتقاد الوطن الذي يتحدثون عنه . . . .
 و قد تكون معان قائمة بذاتها لا علاقة لها بمساحة جغرافية صغرت أم كبرت . . . .
لا أعلم و قد لا أعلم أبدا و لكني الآن أعلم و بشدة معنى الغربة ...

حسام
الرياض
كورسيني
2/6/2013
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق